الفلوس مكدسة في تونس

تونس-النهار نيوز

 

كمال الشارني

عن إصلاح الوظيفة العمومية والمال السائب
أكثر كلمة مكروهة وعيب وقباحة في الإدارة العمومية هي “عقد الأهداف”، يعني أن يصبح التعيين والارتقاء في الإدارة العمومية ومسؤولياتها مرهونا بتحقيق أهداف واضحة في مواعيد زمنية ثابتة قابلة للمحاسبة والمراجعة.

الذي يحدث في برّ الأيالة التونسية الإدارية أنهم يأتون إلى مؤسسة عمومية تعاني من الخراب وسوء التصرف لكنها تعيش وتقاوم ببسالة، فيعينون عليها واحدا من جماعتهم، فيجهز على ما بقي فيها بسوء التصرف وبإغراقها بأقاربه وعائلته وقبيلته وجماعة حزبه، كل ذلك مقابل أجر خرافي، وصولات وقود تكفي للطواف حول العالم مرارا وأسطول سيارات له وللعائلة وخادمة وعامل حديقة وحارس، فلا يتركها إلا وقد ازدادت سوءا، ولا يسأله أحد لماذا جاء ولا لماذا ذهب دون مساءلة لكي يخرب مؤسسة أخرى، وقال لي واحد ممن يظنون أنه تم تعيينهم بالكفاءة أنهم رموه في البحر مكتوفا، وقالوا له إياك أن تبتل بالماء، أي جردوه عمليا من كل سلطاته، لكني سألته: لماذا قبلت أصلا ؟

إيه، سيدي، ونحن نعيش في الزمن الذي طالب فيه موظفو واحدة من مؤسسات الدولة المفلسة باحتكار الانتداب في أبنائهم، من باب الوراثة، حيث لا يحاسب أحد على أجرة 18 شهرا سنويا ومنح أخرى لا تحصى، ولا عن القروض بلا فوائد ولا تستخلص وغيرها من المنافع، أي، سيدي رئيس الحكومة، إنها أشياء تستحق التثبيت في باب إصلاح الوظيفة العمومية تحت عنوان “المال السائب يعلم السرقة”.

عندما ينصحنا المتهربون من الضرائب بمزيد من الفقر
“ما أجمل أن ينصحنا الأغنياء بالفقر”، نجيب محفوظ، من رواية اللص والكلاب،
أفضل تلخيص للمبادئ الكبرى لمشروع ميزانية 2018، حيث تضيّع الدولة أكثر من 11 مليار دينار من الضرائب سنويا، و4 مليارات مستحقات ضريبية على التوريد وملياري دينار رشاوى الصفقات العمومية، لكي تقترض أو المزيد من خنق من يدفعون الضرائب بنزاهة، ما أقوى أن ينصحنا المتهربون من دفع الضرائب بالفقر.

الفلوس مكدسة في تونس، تبحث عن قلم
ليس هناك عاقل في أي مكان في العالم يستثمر أمواله في بلد تحكمه مافيا التهريب والتهرب الضريبي، طالما أن توريد أية بضاعة أقل كلفة من صناعتها، فلم المغامرة ؟ طالما أن أكثر من نصف اقتصاد البلاد خارج الضرائب، فلم خسران الفلوس في مؤسسات قانونية خاضعة للضرائب والأجور والحقوق والإضرابات وابتزاز الحكام والسياسيين وخصوصا للمنافسة غير الشرعية مع التهريب شبه الشرعي؟ ما هو الأسهل في تونس: أن تقيم مصنع أحذية بـ 500 عامل مع حقوقهم وهرجهم والضرائب أو أن تهرب الأحذية من المداخل شبه القانونية ؟

الفلوس مكدسة في تونس، وحين تكون عندك فلوس تريد تطويرها بلا مخاطر ولا هرج الإدارة والبيروقراطية والرشوة، فإنك تفكر في المضاربة في العقارات مثلا: valeur refuge، وإذا كنت مهفا، سوف تفكر في قلم، يعني ميسرة تضرب بها ضربة صحيحة، مثل أن تضع خمسة أو عشرة ملايين دينار في تخضير مزارع الزيتون، وتضاعف ربحك خلال شهر، دون أن تدفع مليما واحدا للضرائب، ولا للضمان الاجتماعي ولا أي أحد، علاه التعب وسهر الليالي في الابتكار والبحث وتمزيق الأحذية في اللهاث بين الإدارات ؟ فاش قام ؟ أنظروا في الجدول المرافق تطور مداخيل الدولة من الضرائب، مصدرها يدلكم على نوعية الاقتصاد الذي لدينا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كتلة الحرّة تساند نائبا “نهضويا” اُتُّهم بـ”التكفير والفساد”