الرئيسية » أقلام حرّة » السلطة القضائية تحت الحصار.. ماذا يحدث بمحكمة بن عروس؟؟

السلطة القضائية تحت الحصار.. ماذا يحدث بمحكمة بن عروس؟؟

بقلم: شكري بن عيسى (*)

“غريبة” جديدة أمس الاثنين 26 فيفري حدثت في المحكمة الابتدائية ببن عروس، والمجلس الاعلى للقضاء على خلفيتها يعلن “الطوارىء” ويقطع سير أعماله الجاري؛ “غريبة” تنضاف الى الغرائب (وسنتوقف عن توصيف “فضيحة” فلم يعد يفي بالغرض) التي تحدث في بلدنا المستباح، وعلى دستورنا المستباح، وعلى قانوننا المستباح، وعلى قضاءنا او بالاحرى سلطتنا القضائية المستباحة، والى حدّ الآن الامور يسودها الغموض، الى درجة الاحساس بالضياع والتيه في ظلمة داموس عميق، ولم نعد في دولة مؤسسات وقانون وسلط مستقلة.

وآخر المعطيات تفيد، حسب بيان نشرته صفحة “أخبار نقابة القضاة التونسيين”، بأنّ المجلس الاعلى للقضاء، اجتمع بصورة طارئة في المحكمة الابتدائية بن عروس ، بعد أن علّق بقرار من اعضائه أعمال جلسته العامة المنعقدة بتاريخ 26 فيفري 2018، الذين تحوّلوا على عجل للمحكمة المذكورة، بعد أن بلغهم تجمهر مجموعات من الامنيين على خلفية تتبعات قضائية موجهة ضد زملائهم.

وبالتوازي أخبار صادرة من المحكمة المذكورة في حدود الثامنة ليلا عن اطلاق قاضي التحقيق سراح الامنيين الموقوفين ، في قضية اشتباه بوجود تعذيب تحولت الى قضية اشتباه في اعتداء بالعنف الواقع من طرف موظف عمومي، بعد الحصار الضارب الذي فرضته قوات أمنية بالعشرات مدججة بالسلاح، تحوّلت بوسائل العمل الموضوعة على ذمتهم من قبل الدولة، حسب ما عاينه المجلس الاعلى الممثل للسلطة القضائية، وهو تمرّد واضح على الدولة ومؤسساتها وقوانينها وقضاءها.

وأن تصبح السلطة القضائية محتجزة داخل المحكمة تحت تهديد الامن، فهذا بالفعل أقصى درجات الفوضى والاجرام، واقصى مظاهر انحلال الدولة وسلطتها، واعتداء سافر على كل قيم الحق والقانون والعدل، اعتبره المجلس الاعلى للقضاء “اعتداء مباشرا على حرمة المحاكم وقضائها”، و”ضرب استقلالية السلطة القضائية” وايضا “زعزعة الثقة في الجهاز القضائي” بما “يهدد اسس ومقومات النظام الجمهوري والديمقراطية”، في ظل الصمت الكامل للسلطة التنفيذية في اعلى مستوى في الرئاسة المسؤولة على احترام الدستور، وفي مستوى الحكومة والداخلية المسؤولية على حماية السلطة القضائية وعلى تصرفات منظوريها من الامنيين الخارجين عن الدولة، وهو ما دفع بالمجلس الاعلى القضائي بتحميل السلطة التنفيذية المسؤولية عما حصل من تدهور الوضع الامني في المحاكم.

ما يحدث بالفعل في غاية الخطورة، لانه هزّ أركان الدولة وكل نواميسها، ولانه ضرب السلطة القضائية، التي باستقلاليتها يقاس العدل وسيادة القانون وعلوية الدستور، ولان العجز ان لم يكن التواطؤ ظهر صارخا من السلطة التنفيذية الحامية للمؤسسات، والمسؤولة عن النظام العام وانفاذ القوانين، ولان الامر صادر ممن هم مأتمنين على حسن تطبيق القانون، من الامنيين الذين استعملوا القوة الشرعية الموضوعة على ذمتهم في غايات اجرامية، وقاموا بتمرد على القانون والدولة وفرضوا عنفهم على القضاء، والأمر حدث عديد المرات في السابق، والعنوان ستتناقله كل وسائل الاعلام الدولية مباشرة، وايضا دبلوماسية البلدان الاجنبية التي ستسجل ابشع الصور عن حال البلاد ونظامها.

والتمرد على الدولة ومؤسساتها ليس معزولا ولا هامشيا، فهو أصبح سياسة ونهجا ودعوات صريحة من النقابات الامنية، فـ”نقابة موظفي الإدارة العامة للأمن العمومي” اذ دعت صراحة كافة الإطارات والأعوان “إلى مقاطعة تأمين الجلسات بالمحكمة الابتدائية ببن عروس بداية من اليوم، مطالبة الأمنيين بعدم مغادرة أسوار قصر العدالة ببن عروس إلى حين الإفراج عن الأمنيين المتهمين”، فقد طالبت الامنيين الى “عدم المثول مستقبلا أمام الجهات القضائية بخصوص القضايا المرتبطة بممارستهم مهامهم الأمنية والتنسيق مع الكاتب العام لنقابة موظفي الإدارة العامة للأمن العمومي التي ستتولى الدفاع عن منخرطيها بكل الوسائل النضالية الممكنة”، وهذا يأتي بعد التمرد الحاصل قبل ما يزيد عن سنة على رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد في مقر السيادة في القصبة باستعمال الاسلحة والمعدات الامنية.

الجلسة العامة للمجلس الاعلى للقضاء في بيانها اذ ذكرت بتحجير (وفق الفصل 109 من الدستور) كل تدخل في سير القضاء، والجمعية التونسية للمحامين الشبان في بيان لها بتاريخ 26 فيفري حذرت الداخلية والحكومة من خطورة عودة “دولة البوليس القمعية الجائرة”، واستنكرت الموقف السلبي لوزير الداخلية وحملت وزارة الداخلية المسؤولية الكاملة عما يحدث من انفلات، وعبرت عن تضامنها الكامل مع المحامي مهدي زقروبة، بعد ما اعتبرته “اعتداء سافرا” من طرف عناصر من البوليس مدعمة من قبل نقابات امنية تعرض له بمناسبة قيامه بواجبه المهني بالمحكمة الابتدائية ببن عروس، فان صمت السلطة التنفيذية واحزاب الحكم لازال متواصلا الى حد كتابة الاسطر، وكأنّ الشأن القضائي بما تعرض له لا يهدد اركان الدولة ومقومات النظام الجمهوري والديمقراطية!!

(*) قانوني وناشط حقوقي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خطير/هذا ما فعلته “الامرأة الشبح” بــ 20 امرأة بجهة عين زغوان والمنازه …و الشرطة العدلية تحذّر !