الرئيسية » أقلام حرّة » السفراء في مقر اتحاد الشغل.. ساحة محمد علي تنعى استقلال القرار الوطني

السفراء في مقر اتحاد الشغل.. ساحة محمد علي تنعى استقلال القرار الوطني

بقلم: لطفي الحيدوري

وصف أمين عام الاتحاد العام التونسي للشغل، نور الدين الطبوبي، خلال تظاهرة نقابية بصفاقس، مؤخرا، تحركات بعض السفراء المعتمدين في تونس بأنّهم “يرتعون في كل مكان”.

الطبوبي وعظ المسؤولين الرسميين، وذكّرهم بضرورة “معرفة قيمة الدولة وقيمة استقلال القرار الوطني”. وحسب أمين عام الاتحاد فإنّ عددا من السفراء كان لهم شرف لقاء مجرد موظف، أصبحوا اليوم يفتحون أبواب مؤسسات الدولة دون إذن ودون رقيب”

ولم يشر المتحدث بالتحديد إلى الفترة التي يمدحها، ولعلّه وجد من الحرج ما يمنعه من الإشادة بالنظام البوليسي.

وتأتي مثل هذه التصريحات التي تصدر عن شخصيات سياسية حزبية ونقابية، ليعبّر أصحابها عن تمايزهم عن أطراف أخرى، باعتماد مقياس العلاقة بالقوى الأجنبية، الذي يعتمده البعض لتمييز “الوطنيين” من الخاضعين للخارج. وعادة ما تستخدم زيارة طرف تونسي لمقر سفارة، مهما كانت المناسبة، أو استقباله لوفد أجنبي من جهة خارجية نافذة، مطيّة للوصم بالارتهان للأجنبي وخدمة مصالحه.

وقد أصبحت تحركات السفير الفرنسي أوليفيية بوافر، منذ استلام مهامه في تونس، ظاهرة لافتة، من حيث حيويته وتنقلاته الكثيرة داخل البلاد، وحرصه على متابعة كثير من الأحداث والمناسبات ونسج العلاقات العامة مع المسؤولين المركزيين والمحليين والشخصيات الثقافية والمواطنين العاديين. ذلك ما دفع أمين عام المنظمة الشغيلة إلى القول: “هناك مقيم عام تقريبا يقيم في تونس وهذه معرة على تونس”. وهي عبارة سبق أن ساقها كاتب عام جامعة التعليم الثانوي، في تجمع نقابي، واصفا وزير الصحة سعيد العايدي بالمقيم العام وسفير فرنسا ودعاه إلى العودة إلى فرنسا، ملمّحا إلى فترة إقامة الوزير بفرنسا وعلاقته بها. وهو التصريح الذي اعتذر عنه اليعقوبي فيما بعد.

الحديث عن سفراء “يرتعون” هو تشكيك في سلامة المناخ الوطني، وإشارة إلى أن مصير البلاد مرتهن بإرادة الخارج، لا تملك السلطة في تونس سوى آليات التنفيذ، وهي مخاوف مشروعة، لكن إذا لم تكن خلفيتها مزايدة على الوطنية وادّعاء زائفا للطهورية.

ويشار إلى أنّ الاتفاقية الدولية المتعلقة بالعمل الدبلوماسي تتيح للسفراء المجال لحسن تمثيل بلدانهم، بل نتمنّى أن يكون سفراء تونس، يحتذون هذا النحو في تمثيلهم لمصالح بلدهم بالخارج. وممّا ورد في اتفاقية العلاقات الدبلوماسية لسنة 1961، تشمل أعمال البعثة الدبلوماسية “التعرّف بكل الوسائل المشروعة إلى ظروف الأحداث وتطوّرها في الدولة المعتمدة لديها، وعمل التقارير عن ذلك”، و”تهيئة علاقات الصداقة وتنمية العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها”.

وفي هذا السياق، جرت، مثلا عديد اللقاءات بين قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل وسفراء الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والاتحاد الأوروبي، دون أن يجرّح أحد في وطنية الاتحاد، رغم أنّ بعض اللقاءات وقعت في سياق مراقبة دولية لتطورات الأزمة السياسية في تونس سنة 2013، بما يعني خوضا في الشأن الداخلي مع أحد الأطراف الفاعلة في البلاد.

وهكذا استقبل يوم 20 أوت 2013 حسين العباسي أمين عام اتحاد الشغل، بحضور قاسم عفية الأمين العام المساعد للاتحاد، جاكوب والس سفير الولايات المتحدة الأمريكية بتونس وهو لقاء كان عنوانه تقدير الأمريكان للدور الذي يقوم به اتحاد الشغل في تحقيق توافق بين «الترويكا» والمعارضة، وفق ما ورد في البرقيات الصحفية.

وعاد السفير الأمريكي يوم 25 سبتمبر ليلتقي حسين العباسي، بعد إعلان المنظمة الشغيلة تدشين موجة تصعيد عبر الاحتجاجات والإضرابات القطاعية لفرض مبادرة الرباعي “الراعي للحوار”. وفي مناسبة ثالثة، نقلت وسائل الإعلام التونسية أنّ سفير الولايات المتحدة الأمريكية جاكوب والس أكّد خلال لقائه بأمين اتحاد الشغل حسين العباسي يوم 7 نوفمبر 2013 أنّ حل الأزمة السياسية في تونس هي مسؤولية كل الأحزاب والمجتمع المدني والمنظمات الوطنية التونسية، وثمّن مجهودات الاتحاد في إنجاح الحوار الوطني.

ولم تتوقف اللقاءات بعد ذلك فقد استقبل حسين العباسي يوم 25 جوان 2015 سفير الولايات المتحدة الأمريكية بتونس بمقر الاتحاد، بحضور قاسم عفية.

نور الدين الطبوبي، أيضا، استقبل بمكتبه يوم 20 ديسمبر 2017، “سعادة سفير الاتحاد الأوروبي بتونس باتريس برغميني بحضور الأخوين سمير الشفي ومنعم عميرة عضوي المكتب التنفيذي للاتحاد”، وفق ما ورد في الصفحة الرسمية للمنظمة على فايسبوك.

وتم خلال هذا اللقاء “الاستماع إلى وجهة نظر الاتحاد الأوروبي للقضايا الاقتصادية بين تونس وأوروبا، وجدّد الاتحاد موقفه حول تصنيف تونس جنة ضريبية، وتمت دعوة سفير الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة أن تتم مراجعة الموقف بأسرع وقت ممكن .وتم تأكيد أهمية تعزيز العلاقات وتطوير الاستثمارات الأوروبية في بلادنا”، حسب بلاغ الاتحاد.

لم تجد المنظمة النقابية حرجا في استقبال السفراء، والخوض معهم في إدارة الشأن السياسي والاقتصادي للبلاد، بل تحدثت قيادة الاتحاد باعتباره مفاوضا باسم الدولة التونسية. فلماذا مثل تلك التصريحات النارية لنور الدين الطبوبي، وقد كان قبل بضعة أيام من حديثه يحضر حفل تدشين مؤسسة فرنسية لصناعة السيارات، مقيمة بتونس؟

يجعل مثل هذا السلوك “السياسي” صاحبه محل وصم بـ”الازدواجية” في المواقف، فكيف يمنع على غيره ما يبيحه لنفسه، بل ربّما يتحدّاه غيره، رسميون وغيرهم، ممّن استقبلوا السفراء، بأنّهم كانوا أرفع سقفا في التعبير عن الوطنية والاستقلالية خلال جلساتهم مع الطرف الأجنبي. وهو ما سيجعل الموضوع محل مزايدة وتنافس على الطهورية، لا غير.

ومع الأسف فإنّ أغلب قيادات الاتحاد، لا يتواضعون، بل يحلّون أنفسهم في مقام المدرّس والوعظ الذي يحدد بوصلة المواقف في إطار سلوك عام متعال لدى منتسبين للمنظمة يرفعون سياساتها وقياداتها فوق النقد والتقييم، وهو ما كشفته عديد المنابر الحوارية التي كان ممثلو الاتحاد فيها يصرخون في وجه من ينتقد المنظمة ويقاطعونه، بل ويهددون أحيانا.

وبالفعل لقد ولّى عهد كان الاتحاد يلتقي فيه، فقط، بسفراء دول “المقاومة” والمتصدية للإمبريالية مثل فلسطين والعراق وسوريا وكوبا وبدرجة أقل إيران.

قرطاج نيوز

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بالصور / سوسة : محبي النجم الساحلي يقومون بازالة معلقات اشهارية حول الترجي !