الرئيسية » سياسة » في تونس.. حرب ضد الفساد أو حرب مصالح بوصلتها انتخابات 2019؟

في تونس.. حرب ضد الفساد أو حرب مصالح بوصلتها انتخابات 2019؟

 

الكشف عن ملف فساد حكومي والإعلان عن ذلك من قبل أعلى رأس السلطة التنفيذية في بلد ما قد يعني اتضاح الصورة في إحدى الملفات وتقديم أجوبة واضحة، لكن حدثًا كهذا في تونس قد يتحول إلى مبعث أسئلة بالأساس.

المثال ليس بعيدًا. صباح الجمعة 31 من أوت/ آب 2018، استيقظ التونسيون على بلاغ من رئاسة الحكومة تضمن قرار إعفاء كل من وزير الطاقة والمناجم وكاتب الدولة للمناجم والمدير العام للمحروقات والرئيس المدير العام للشركة التونسية للأنشطة البترولية والمدير العام للشؤون القانونية بوزارة الطاقة من مهامهم.

أثارت الرواية الحكومية لحقيقة الإقالات من وزارة الطاقة تساؤلات عدة في علاقة بارتباطات المُقالين برئيس الحكومة الحالي أو خلفيات توقيت الكشف عن ملف الفساد
إلى هنا تبدو الصورة غامضة، لكن ذات البلاغ وصورًا لرئيس الحكومة يوسف الشاهد على صفحة رئاسة الحكومة الرسمية بموقع فيسبوك قدمت سريعًا بعض التوضيحات. تضمن ذات البلاغ قرارًا بتكوين لجنة خبراء لدى رئاسة الحكومة لإعادة هيكلة وزارة الطاقة ومراجعة حوكمة القطاع بشكل عام في تونس وتكليف كل من هيئة الرقابة العامة للمصالح العمومية وهيئة الرقابة العامة للمالية بفتح تحقيق معمق داخل الوزارة. وتزامن نشر البلاغ مع صور لاجتماعات عقدها صباح ذات اليوم رئيس الحكومة مع كل من رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد شوقي الطبيب ورئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب عامر العريض.

أوحت هذه المعطيات إذًا بشبهة فساد في الموضوع. ونظرًا لعدد الإعفاءات المرتفع وأهمية المناصب تواترت عديد الأسئلة منذ الساعة الأولى لصدور البلاغ: أي ملف فساد هذا الذي أسقط كل هؤلاء مرة واحدة خاصة وأن الكشف عن ملفات الفساد في مجال الطاقة ليس جديدًا تونسيًا، سواء من خلال تسريبات أو تحقيقات إعلامية أو تصريحات سياسيين أو حتى في سياق احتجاجات شعبية (حملة وينو البترول) لكنها جميعها لم تنتج إقالات من مناصب حساسة في الدولة؟

لما اختيار هذا التوقيت ونحن على أبواب سنة سياسية يُتوقع أن تكون شديدة التوتر في ظل تغييرات حكومية منتظرة (تجدد مطالب اتحاد الشغل وحركة نداء تونس الحاكمة لتغيير رئيس الحكومة) وصعوبات اقتصادية واجتماعية متصاعدة، وهي السنة التي من المنتظر أن تُختتم بانتخابات تشريعية ورئاسية حاسمة؟

 

مستثمر تونسي في وضعية غير قانونية “يفضح نفسه” ويُحرك موجة الإقالات!

قبل تواصل الأسئلة وتعمقها، سارعت رئاسة الحكومة بعقد ندوة صحفية للإعلام بخلفيات بلاغها وانعقدت بُعيد ساعة فقط تقريبًا من إعلان القرار. تحدث الناطق الرسمي باسم الحكومة إياد الدهماني أن “مستثمرًا تونسيًا له امتياز استغلال حقل نفط (حقل المنزل وهو حقل بحري في سواحل المنستير) اتصل برئاسة الحكومة لإعلامها بأن حقله سيدخل حيز الإنتاج في الأسابيع القادمة”.

وأضاف الدهماني: “بحثنا عن الحقل وتبين أن وضعيته غير قانونية إذ تحصل المستثمر على امتياز استغلاله وفق اتفاقية عام 1979 مدتها 50 سنة، إثر ذلك تمت المصادقة على مجلة المحروقات في سنة 1999 والتي جاء فيها أن الحد الأقصى للاستغلال هو 30 سنة. المشرّع التونسي حينها خيّر المستثمرين السابقين بين التصرف وفق الاتفاقيات القديمة أو الانصياع لأحكام مجلة المحروقات الجديدة مقابل الحصول على امتيازات منها الجبائية”.

ويوضح المتحدث باسم الحكومة من جديد: “صاحب الامتياز في قضية الحال خيّر أن ينضوي تحت مجلة المحروقات وصار امتياز الاستغلال لديه مدته 30 سنة أي أنه ينتهي في سنة 2009 لكن ما حصل أنه مرت تسع سنوات إلى حدود 2018 وهو يتمتع باستغلال هذا الحقل وسيبدأ في الإنتاج قريبًا دون رخصة فعليًا لأنها منتهية منذ سنوات، كما واصل التمتع بالامتيازات الجبائية خلال هذه الفترة”. ويؤكد الدهماني أن مصالح وزارة الطاقة لم تقم بالإجراءات الضرورية.

يشير الدهماني أيضًا إلى خلل ثان في هذا الملف إذ أن مجلة المحروقات التي انضوى تحت أحكامها المستثمر تنص على أن كل استغلال لحقل بترولي في تونس يكون بالشراكة، وفق صيغ مختلفة، مع الشركة التونسية للأنشطة البترولية (شركة عمومية) وهذا ما لم يحصل في هذا الحقل النفطي إذ يتصرف فيه المستثمر بمفرده.

استخلص الدهماني أن كل هذه الملابسات تؤكد أن هناك مشكلًا حقيقيًا في حوكمة قطاع الطاقة في تونس ونتجت عن ذلك الإقالات وما تبعها.

 

تجدد التساؤلات..

ما قدمه الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال الندوة الصحفية، وعوض أن يخفت الأسئلة عمّقها وجلب استفسارات أخرى: كيف يمكن لشخص يعرف أنه في وضعية غير قانونية أن يكشف بنفسه هذا الأمر ويُعرض نفسه للعقاب خاصة وأن الملف يتعلق بمستثمر في قطاع نفطي مهم وليس متاحًا العمل به لأي كان؟ كيف لم يتفطن أي مسؤول حكومي طيلة تسع سنوات، تتالى خلالها على وزارة الطاقة وزراء مختلفون ومدراء ومدراء عامون للخلل في استغلال هذا الحقل النفطي؟ لماذا كُشف الملف اليوم؟ وإذا كان الملف على قدر من الخطورة ووضع قطاع الطاقة بكل هذا السوء أ لا يعتبر ذلك فضيحة كبرى؟ أ لا تقتضي استقالة كل الحكومة ربما؟

من جانبها، حاولت رئاسة الحكومة الخروج في ثوب البطل. خلال خطاب الناطق الرسمي باسمها، حاول الأخير تأكيد أهمية هذا الحقل النفطي، في إشارة ضمنية للصحفيين والرأي العام بأهمية سرعة اتخاذ قرار الإعفاءات وجدية ملف الفساد، إذ قال عنه إن “مخزونه يقدر بـ8,1 مليون برميل مع العلم أن إنتاج تونس السنوي من النفط هو في حدود 15 مليون برميل ومن المنتظر أن يُنتج في السنة الأولى يوميًا 15 ألف برميل بينما معدل إنتاج تونس يوميًا حاليًا من النفط هو 39 ألف برميل”.

وصرح رئيس الحكومة بشكل خاطف لأحد الإعلاميين أنه “لا يخاف إلا الله والشعب التونسي الذي هو مؤتمن على ثرواته وأن من ضميره مرتاح لا يخاف أبدًا”. هذا الرد الذي لا يتجاوز الثواني روجت له الصفحة الخاصة لرئيس الحكومة وانتشر بين مناصريه سريعًا على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو خطاب مشابه لما ختم به المتحدث باسم الحكومة ندوته الصحفية، حين ذكّر بالفصل 13 من الدستور التونسي والذي يشير إلى كون الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، وقد أضاف الدهماني أن “الحكومة مؤتمنة عليها وعلى حسن التصرف فيها”.

shareيعرف يوسف الشاهد جيدًا أن ملف الطاقة مهم لجزء واسع من الشعب التونسي الذي طالما رسخ في ذهنه أن الفساد مخيّم على هذا الملف وأن استغلال طاقات البلاد الطبيعية لا يسيّر بطريقة شفافة
يعرف يوسف الشاهد جيدًا وفريقه من المستشارين والمساعدين أن ملف الطاقة مهم لجزء واسع من الشعب التونسي الذي طالما رسخ في ذهنه أن الفساد مخيّم على هذا الملف وأن استغلال طاقات البلاد الطبيعية لا يسيّر بطريقة شفافة. ها هو رئيس الحكومة يؤكد شكوكهم ويضرب وترًا حساسًا لدى الكثيرين.

قراءة في التوقيت والأسماء المقالة

في قراءة للأسماء المقالة على مستوى وزارة الطاقة والمناجم، يبرز اسم وزير الطاقة في المقدمة. خالد قدور، ابن القيادي النقابي المعروف حسين بن قدور وأخ عضو المكتب التنفيذي الحالي لاتحاد الشغل (أكبر المنظمات النقابية وأهمها في تونس) أنور بن قدور، وقد طرح اسمه في فترة سابقة كمرشح الاتحاد لرئاسة الحكومة بدلًا عن الشاهد. هذا المعطى اعتبره الكثيرون مؤشرًا لاحتمال أن يكون تصدير ملف الفساد الأخير يندرج في سياق “تصفية حسابات” بين الشاهد والاتحاد، هذا الأخير لا يزال مصرًا على تغييره من منصبه في أقرب فرصة ولا يتردد في إعلان إضرابات قطاعية متعددة مؤخرًا، وقد يختمها بالإضراب العام في مختلف مؤسسات القطاع العمومي قريبًا حسب ما جاء على الصفحة الرسمية لاتحاد الشغل، سويعات بعد قرار الإعفاءات.

المروجون لهذا الطرح يستندون إلى أن خالد قدور، وزير الطاقة المقال، متهم منذ فترة في قضايا فساد تخص عمله في وزارة الطاقة وذلك حتى قبل تعيينه وزيرًا في حكومة الشاهد، وهذا لا يخفى عن رئيس الحكومة بطبيعة الحال، لكنه وافق على تعيينه حينها، فلما الإقالة اليوم إذا لم يكن في الأمر “حسابات أخرى”؟، يتساءلون.

shareيروج كثيرون لاحتمال أن يكون تصدير ملف الفساد الأخير في سياق “تصفية حسابات” بين الشاهد واتحاد الشغل، خاصة وأن الأخير مصر على تغييره ويُعتبر وزير الطاقة المُقال مقربًا منه
من جانب آخر، يُذكّر آخرون بقضية تعهد بها القطب القضائي الاقتصادي والمالي بخصوص شبهات فساد وتلاعب في ملف تحويل أسهم سليم شيبوب (صهر الرئيس المخلوع بن علي) في شركة “Voyageur Oil & Gas” إلى شركة “Andarko Beks Tunisia Company” وذلك للتهرب من الوقوع تحت طائلة قانون المصادرة. يُذكر أن هذا الأمر تم بترخيص من المجلس الاستشاري للمحروقات، الذي تشارك في عضويته الأسماء التي أعفاها الشاهد ومنها الوزير، عدا كاتب الدولة، وذلك بتأشير من الوزير الأول حينها الباجي قائد السبسي.

وكان تحقيق استقصائي نشره موقع “نواة” التونسي بتاريخ 15 جوان/يونيو 2013 تحت عنوان “السبسي-شيبوب: علاقات من الذهب الأسود” قد تعرض للموضوع، الذي أثار حينها الكثير من الحبر، وأكد أن “شركة Andarko التي تم تهريب حصص شيبوب الموجودة في حكم المصادرة إليها، سُجلت بسجل الشركات في تونس بعد نشر قانون الإحالة المذكور بمدة وأن الممثل القانوني لتلك الشركة في تونس هو صلاح الدين قائد السبسي شقيق الباجي، وأن عنوان مقر الشركة في تونس هو عنوان مكتب المحاماة التابع للباجي قائد السبسي شخصيًا”.

shareيُروّج البعض أن قرارات الشاهد بالإعفاءات وفتح تحقيق في الوزارة هي خطوة تصعيدية أيضًا ضد الباجي قائد السبسي ومن يناصره قبيل انطلاق الموسم السياسي الجديد
هكذا يرى هؤلاء أن قرارات الشاهد بالإعفاءات وفتح تحقيق في الوزارة هي “خطوة تصعيدية أيضًا ضد الباجي قائد السبسي ومن يناصره قبيل انطلاق الموسم السياسي الجديد”، وهو الذي طالب منذ فترة وجيزة رئيس الحكومة بالاستقالة أو عرض ثقة حكومته على البرلمان معتبرًا أنها لم تعد تحظى بالإجماع حولها.

هو إذًا “إعلان حرب ضد السبسي واتحاد الشغل؟”، استباق بالهجوم، من حيث التوقيت، قصد تحويل وجهة الصراع حسب ظروف الشاهد أم الأمر لا يتجاوز ملف فساد تمت المسارعة بالنظر فيه وساهمت “الصدفة” في كشفه؟ ملف فساد آخر يُكشف في دولة عانت لعقود من سوء الإدارة ونخرها الفساد وتستحق أي مبادرة ضده أن تُثمّن؟

كلها تساؤلات مشروعة لكن الأكيد أن ردة فعل أكبر المنظمات النقابية بالبلاد ورئيس الجمهورية لن تتأخر. أما الحرب ضد الفساد، شعار الشاهد الأبرز منذ تعيينه والورقة التي لا يزال يراهن عليها للبقاء في منصبه وتدعيم حظوظه لرئاسيات 2019، فيبقى مصيرها غامضًا إذ يُروج أن عديد الملفات التي أحيلت في إطار مقاومة الفساد خلال السنتين الأخيرتين كانت خاوية من الأدلة والبراهين وأن مسألة الإفراج عن المورطين فيها قد تكون مسألة وقت.

ألترا تونس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاجل/بين البحيرة 1و2: اعترافات مثيرة وممارسات وطقوس غريبة لأكبر شبكة دعارة في تونس بعد ايقاف13 متورطا في 8 شقق