الرئيسية » أقلام حرّة » اغتيال الخاشقجي.. قبح السلطة حين تكون بلا عقل

اغتيال الخاشقجي.. قبح السلطة حين تكون بلا عقل

ياسن ين الصيد

إذا كان من يوم ستندم عليه المملكة السعودية فهو يوم الثاني من أكتوبر 2018 الذي سيرتبط في ذهن الرأي العام العالمي بإحدى أفظع الجرائم المرتكبة في حق صحفي لا ذنب له إلا أنه نصح النظام السعودي بمراجعة سياساته في المنطقة وفي البلد، بما يعود بالنفع على المملكة أولا وأخيرا.

جريمة اغتيال خاشقجي بمثل تلك الطريقة الوحشية تؤكد أن النظام السعودي الواقع بكليته تحت سيطرة ولي العهد الامير محمد بن سلمان يضيق صدره باي صوت معارض حتى وإن كان ناصحا .. ألم يسجن علماء مثل الشيخ سلمان العودة لمجرد أن توجه إلى الله بالدعاء ليؤلف بين قلوب حكام الخليح؟

بشاعة مضاعفة

كان في ظن من خططوا لقتل الصحفي جمال خاشقجي أن تسجل الحادثة على أنها اختفاء لشخص لن تثير جدلا ولن تشغل العالم. وذهب من أذهانهم أن هذه الجريمة ستهز العالم وأن المخابرات التركية أحاطت بها من كل جوانبها وتعمدت تسريب الأخبار بطريقة القطرة قطرة لتجبر السعوديين أنفسهم على الاعتراف بالجريمة بعد ان كانوا يصرون في الايام الاولى التي تلت وقوعها أن خاشقجي خرج من القنصلية  وأن الكاميرات المنصوبة فيها لا توثق شيئا، إلى أن اضطروا مكرهين امام تتالي التسريبات والحرج الذي أصاب الولايات المتحدة الامريكية الحليف الاول للسعودية والراعي الاول لولي العهد في مسيرته نحو العرش، إلى التخلي عن تحفظاتها من الاتهامات الموجهة الى المملكة حول ضلوع مخابراتها في تصفية الخاشقجي..

كل ما حف بالجريمة جعل بشاعتها مضاعفة بدءا من السبب الذي دفع الى قتل الصحفي، وهو خنق كل صوت حر والتضييق على المعارضين أينما كانوا ليلزموا بيوتهم ويكمموا أفواههم اختيارا قبل أن يتم تكميمها جبرا، مرورا بتكذيب المملكة الفاقد لأي منطق ولأي حجّة لاختفاء خاشقجي في قنصليتها في اسطنبول، وصولا إلى طريقة التخلص من جثته بتقطيعها بمنشار الكتروني على أنغام الموسيقى، في استهتار غريب بروح بشرية أعاد إلى الاذهان ما ارتكبته  قوات التحالف العربي في اليمن من جرائم مروعة في حق الأطفال في حرب عبثية ما كانت السعودية لتدخلها لولا غياب الرؤية السياسية الحكيمة عند ولي عهدها الذي سعى حين كان عمه الراحل الملك عبد الله على سدة العرش أن يجر بلاده إلى حرب اليمن، إلا أن الملك عبد الله طلب من محمد بن سلمان ان لا تطأ رجلاه ارض وزارة الدفاع مادام في الملك، ليقينه أن تلك الحرب من العبثية بمكان وأنها لن تجر الاستقرار الى المملكة. وبالفعل كان المستفيد منها دولة الإمارات التي سيطرت على اليمن دون أي تنسيق مع حليفها.

خسائر باهظة

ما جرى في قنصلية السعودية باسطنبول سيكون له ما بعده. وما الحديث عن تململ في الاسرة الحاكمة من تصرفات ولي العهد إلا اكبر دليل، لأن الكيل طفح من سياسات لم تجرّ إلا القلق للسعودية بدءا بحرب اليمن ومرورا بحصار قطر ووصولا إلى جريمة بشعة جعلت سمعة السعودية على المحك..

ومن بواعث الأسرة المالكة في المملكة على القلق على دولة يفترض أنها حالة لواء الإسلام بتعاليمه السمحة،  الخسائرُ المادية الكبرى التي تكبدتها جراء تلك الجريمة النكراء والتي كانت على كافة المستويات، وستكون مؤثرة في مستقبل المملكة السياسي والاقتصادي والاجتماعي، خاصة أمام سياسة القبضة الحديدية التي ينتهجها ولي العهد السعودي في كافة ملفات المملكة الداخلية والخارجية منذ تصعيده إلى السلطة والتي وصلت حد احتجاز رئيس حكومة دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة والجامعة العربية وإجباره على الاستقالة وهو سعد الحريري، إضافة إلى المس من تلاحم الأسرة الحاكمة من خلال احتجاز عديد الأمراء في فندق ريتز بالرياض  لتصبح سمعة السعودية مهتزة أمام العالم، وهو ما سيكون له عواقب وخيمة. ذ

والأكيد أن مواقف الرئيس الامريكي دونالد ترامب بعد اكتشاف الفظاعة المرتكبة في اغتيال الخاشقجي وإعلانه اكثر من مرة أن الجريمة لن تمر دون عقاب، دليل على مدى الخسارة التي مست المملكة والتي جعلت أقوى حليف لها يعلن التخلي عنها لأنه لا يمكنه مواصلة نفس السياسة في مواقفه من المملكة، وإن فتحت له كل خزائنها. فالجرم اكبر من أن يداوى بأموال الأرض. وإذا تخلى ترامب عن ابن سلمان وعن النظام السعودي الحالي فإن المملكة ستكون في عزلة أكدها وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت بتصريحه أن الدول لا يمكنها أن تتحالف إلا إذا كانت تتشارك القيم ذاتها. ومن البديهي القول إن هذا الموقف ستتبناه معظم الدول الأوروبية.

وعلى المستوى الاقتصادي تكبدت السعودية خسائر مالية ضخمة بعد شيوع الأنباء عن فظاعة ما ارتكب في حق الخاشقجي، إذ تشير إحصائيات إلى أن مجمل الخسائر وصلت 50 مليار دولار في البورصة السعودية. كما أن المؤتمر الاستثماري “دافوس الصحراء”الذي استنفر له ولي العهد كل جهود المملكة لإنجاحه فقدَ كل أهمية، لتفقد معه رؤية المملكة 2030 التي أقرها ولي العهد أيضا كل أهمية، وهي التي كانت سيتم الترويج لها في ذلك المؤتمر وحشد الدعم العالمي لها، إلا أن استنكاف أغلب المدعوين من كبار الشخصيات العالمية عن الحضور في المؤتمر احتجاجا منهم على الجريمة جعل هذا الحدث بلا قيمة  ولا قدرة لابن سلمان على أن يقدم للعالم مستقبل السعودية على أنها ستكون أكثر حداثة. وصار من المؤكد أن المؤتمر الذي عوّل عليه ابن سلمان  لإبراز الحلة الجديدة للمملكة، لن يكون ذا تأثير كبير في أوساط المستثمرين والقادة البارزين في مجال الأعمال الذين بادروا بالانسحاب.

“دافوس الصحراء” يتيه في صحراء التخبط السياسي

لأن الجرم لا يقبله أي إنسان ولا يمكن السكوت عنه لم تسانده إلا مصر والإمارات وتابعتهما البحرين وطبعا فإن الشيء من مأتاه لا يستغرب. فمصر السيسي لها باع وذراع في تقطيع أوصال المعارضين حتى وإن كانوا لا يحملون جنسيتها، والايطالي الذي قتل في القاهرة أكبر دليل.

أمّا الإمارات فإن ما تفعله في اليمن من تنكيل بالابرياء في سحونها السرية وما تصبه طائراتها من حمم على رؤوس العزل لا يجعل الدولتين تتورعان عن مناصرة حليفهما ولي العهد في جرائمه. بل إن هذين الدولتين قد تكونان متورطتين بطريقة أو بأخرى في الجريمة. وما نزول الطائرتين المقلعتين من اسطنبول وعلى متنها القتلة بأراضيهما إلا إشارة إلى هذا التورط..

ولأن أغلب دول العالم لا تقبل ارتكاب جرائم ظنوا أنها انقرضت منذ موت بول بوت وبوكاسا ولا ترتكب إلا في دول متوحشة مثل بورما، فقد رفضت مؤسساتها المشاركة في مؤتمر دافوس الصحراء. وسيشمل الغياب شركة غوغل  وكل المؤسسات الإعلامية العالمية. كما أعلن مسؤولون أمريكيون وبريطانيون مقاطعة المؤتمر من بينهم وزير الخزانة الأمريكي ستيفن مونشين، ووزير التجارة الدولية البريطاني ليام فوكس. وأعلن أيضا الرؤساء التنفيذيون لـ 3 بنوك عالمية، مقاطعة المؤتمر منهم بنك “ستاندرد تشارترد”ن وبنك “HSBC”، و”كريديت سويس”. وكذلك أعلن “جيم يونغ كين” الرئيس التنفيذي لمجموعة البنك الدولي، و”دارا خسروشاهي” الرئيس التنفيذي لـ”أوبر”، و”بيل فورد” رئيس مجلس إدارة شركة “فورد” للسيارات، و”ستيف كيس” مؤسس شركة “AOL” المعنية بتزويد الخدمات عبر الانترنت، و”بوب باكيش” الرئيس التنفيذي لشركة “فياكوم”، عدم مشاركتهم في المؤتمر. يضاف إليهم الرئيس التنفيذي لـ “CHASE” إحدى أكبر المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، و”لاري فينك” الرئيس التنفيذي لـ “بلاك روك”، و”ستيفن شوارزمان” الرئيس التنفيذي لـ “بلاك ستون”.

كما وصل الريال السعودي إلى أضعف مستوى منذ عام، وخسرت أسهم مجموعة كبيرة من الشركات قيمتها وتعرضت الأسواق المالية السعودية لضغوط وخسائر في الأيام القليلة الماضية وهو ما سيجعل  كلفة الديون السعودية والتأمين عليها في ارتفاع كبير.

هذه الجريمة كشفت النقاب عن قبح الدولة التي يخطط ابن سلمان لإرسائها في السعودية والتي لن تكون إلا على أنقاض الأبرياء من السعوديين واليمنيين، وتعري حقيقة ثابتة أن الدم المراق فداء لحكم ساكبيه قبل أن يستقروا على عروشهم.

قبل الأولى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عاجل/فظيعة و صادمة..الكشف عن فحوى 3 تسجيلات عن اغتيال خاشقجي