تصريح الغنوشي مناورة أم طبخة جديدة؟

يوم الاحد الماضي كان برنامج عمل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي يقتصر على الاشراف على عدد من المؤتمرات المحلية لحزبه في أجواء احتفالية عادية تعكس ترسيخ ثقافة الديمقراطية داخل مؤسسات الحزب التي لم تنقطع فيها سنة المؤتمرات و الانتخابات حتى في ذروة القمع في عهدي بورقيبة وبن علي كان نشاطا عاديا تحول الي زلزال سياسي بتصريح فاجأ الجميع بما في ذلك الداخل النهضاوي.

ما الذي حصل حتى يتحدث الغنوشي لاول مرة على حكومة انتخابات او حكومة تكنوقراط ولما لم ينتظر تنظيم ندوة صحفية للحديث عن ذلك؟

مصادر مؤكدة أوضحت أن التصريح بقرار فرضته عدة معطيات وفي سياق  تراكمات و شعور من رئيس حركة النهضة بأن الطرف الاخر ونعني به مجموعة تحيا تونس تتصرف بمنطق الامر الواقع و ان بقاء الحكومة الى غاية الانتخابات اصبح محسوما وان النهضة لم يعد لها من خيار سوى العودة الى وضعية التوافق مع النداء اي نحن نحكم وانتم تشاركون.

الغنوشي حين رفض الاطاحة بيوسف الشاهد لم يكن ينوي تشجيعه على تكوين حزب ولا التمرد على رئيس الجمهورية وحزبه نداء تونس،و تؤكد مصادرنا أنه لم يحدث اي نوع من التنسيق بين الطرفين وان موقف الشيخ لم يكن في نطاق صفقة مع الشاهد او برغبة القطع مع سي الباجي.

لم يكن وقتها ما يوحي بسيناريو كتلة الشاهد أو باستقالة سليم العزابي او بتحويل وليد جلاد و محمود البارودي ناطقين باسم الحزب الجديد.

رفض الاطاحة بالحكومة لم يكن تمسكا بالشاهد او دفاعا عنه بل موقفا شجاعا دفاعا عن الدولة وعن موقع النهضة في منظومة الحكم.

ما يدلّ على ذلك هو حوار الغنوشي الشهري في1 أوت2017 والذي عارض فيه ترشح الشاهد للانتخابات الرئاسية ودعاه إلى التفرغ لشؤون الحكم، والذي تحول لاحقا إلى قرار الشورى لم يتم تعليق العمل به أو إلغاؤه إلى حدّ الآن.

البعض رأى في التصريح المثير مناورة سياسية ولكن مصادرنا تؤكد أنه ليس مناورة بأي وجه من الوجوه وأنه تحذير جدي لجماعة “تحيا تونس”، بعد بيان الشورى، من الخلط بين الحزب والدولة والمقابلة التي دارت بين الغنوشي والشاهد يوم انعقاد الشورى الأخير ودامت ساعة ونصف تحدث فيها رئيس حركة النهضة بصراحة مع رئيس الحكومة ونقل له مخاوف النهضاويين.

الجلسة دارت في أجواء هادئة ولكن يبدو أن راشد الغنوشي بات يميز بين يوسف الشاهد ومحيطه القريب والبعيد وان احترامه لرئيس الحكومة وهو من ضمن الأسس التي دفعته للموافقة على تعيينه وإسقاط مشروع الإطاحة به، لا يلغي توجسه من بعض بارونات مشروعه وأجندتهم السلطوية بل من طريقة تشكل المشروع نفسه الذي لم تتحدد هويته وأصبح مضمونه الوحيد هو الوجود في الحكم.

الثقة في الشاهد وهي ثابتة لدى الغنوشي اصطدمت في الأسبوع الماضي بسلسلة من السلوكات من بارونات مشروعه بما ينمّ عن عقلية هيمنة واستفراد بالسلطة بل واستهتار بها إلى الحدّ الذي يدفع حزبا بأكمله للتنقل لباريس على هامش زيارة رئيس الحكومة ودعوة وزير النقل السابق عبد الرحيم الزواري للجلوس في الصفّ الأول في معهد العالم العربي بباريس بل وتكليف ملك استطلاعات الرأي حسن الزرقوني بتنشيط حوار الشاهد.

ومازاد الطين بلّة هو تصريح لوفيغارو الذي تبرأ فيه رئيس الحكومة من النهضة على ان تشريكها في الحكومة هو قرار الباجي قايد السبسي.و كأنه يؤكد ما بدا يرشح من اخبار حول مخطط الاستحواذ على السلطة التنفيذية برأسيها،بالدفع بالشاهد للترشح للرئاسة والتخلص منه بالتالي بصورة مهذبة وتسليم القصبة لمرشح “عبد الرحيم الزواري” و بعض اللوبيات لرئاسة الحكومة بعد الانتخابات و هو وزير النقل هشام بن احمد.
لما التصريح يوم الاحد بالذات؟
الواضح أن القطرة التي أفاضت الكأس هي سبر الاراء الذي اعده الزرقوني في غير موعده ويمكن تلخيصه كالاتي”النهضة في طريق التغول والنداء في طريق الانهيار ولا امل الا في  الاصطفاف وراء الشاهد ومشروعه لانقاذ تونس من خطر هيمنة الاسلاميين.
الغنوشي اعتبر سبر الاراء اعلان حرب سياسية، على النهضة ونداء تونس في نفس الوقت اي اخراج حزب الرئيس الباجي من قواعده وكوادره وعزل النهضة في زاوية ضيقة لذلك بادر الى التصريح في رسالة واضحة بان النهضة لم تخدع و ان الطرف الاخر لم يحسم المعركة لصالحه بعد بل قد يكون كشف اورارقه وبصورة مبكرة جدا.
و السؤال الآن ماذا بعد تصريح رئيس حركة النهضة؟ وهل نحن مقبلون على طبخة سياسية جديدة؟ومع من ستكون؟
المسألة تبدو واضحة في ذهن الغنوشي الذي بدا واضحا في اخر مكتب تنفيذي أشرف عليه على تبيان ان تصريحه هو التحذير الاخير قبل المرور الى الخطوة القادمة التي لم تشأ مصادرنا الكشف عنها وهل تعني العودة للتوافق مع رئيس الجمهورية وحزبه الذي قد يشهد ديناميكية في الفترة القادمة؟
أم هل تعني اتفاقا مع الشاهد على تشكيل حكومة جديدة تسندها الائتلاف والنهضة والمشروع يعود اليها النداء بشكل معلن لا مقنع وتتوفر فيها ضمانات لكل الاطراف بعدم الخلط بين الحزب والدولة؟
أم هل تعني تقليص الحكومة الحالية واعطائها امكانية اكبر للعمل على مواجهة الاولويات الاقتصادية؟
سيناريوهات عديدة يمكن ان نستخلص منها النقاط التالية:
أولا:أن النهضة وكما أكد بيان مكتبها التنفيذي لن تبقى في وضع المتفرج ازاء لغة الغرور والصلف التي يتحدث بها البعض في المشروع الجديد وان ذلك يسري ايضا على موضوع استغلال الدولة واجهزتها لغايات حزبية انتخابية.
ثانيا:ان الثقة في الشاهد ثابتة وقوية و ليست محل مزايدة او تشكيك ولكنها لا تكفي لاعطاء صك ابيض له خاصة وقد أظهر حزبه ضعفا فادحا في تأطير المتحدثين باسم حزبه او في التصدي لمحاولات التموقع التي يقوم بها بعض المحسوبين على لوبيات المال والجهويات.
ثالثا:ان راشد الغنوشي ينظر منذ البداية بعين الارتياح لتموقع رئيس الجمهورية في مواجهة النهضة بعد سنوات من التوافق وان الغنوشي حريص كل الحرص على ايجاد صيغة مثلى لادارة الفترة القادمة تضمن الحفاظ على الاستقرار الحكومي وعلى الاستقرار السياسي في آن.
الواضح ان الاسابيع القادمة ستشهد تطورات في هذا الاتجاه او ذاك و ان النهضة قد تكون بصدد بلورة موقف من جماعة “تحيا تونس”شبيه بموقفها من ابتزاز النداء لها قبل وبعد الانتخابات البلدية، ان لم يوفق يوسف الشاهد في تأطير مشروعه وقبل ذلك في ضمان تحييد أجهزة الدولة ومؤسساتها من التجاذبات.
محمد الحمروني-الشاهد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: