مصطفّا وراء لوبيات التوريد والبنوك : الشاهد يطلق الرصاصة الأخيرة على القطاع الفلاحي

 

بقلم جنات بن عبد الله
رصاصة أخرى أطلقتها السلطة التشريعية على القطاع الفلاحي بمصادقتها يوم الثلاثاء 12 فيفري 2019 على مشروع الفانون المتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات بأغلبية مريحة بمائة صوت بحضور وزير الصحة.
أغلب تدخلات النواب في جلسة يوم الثلاثاء ثمنت مشروع القانون باعتباره، حسب رأيهم، سيدعم عملية تصدير المنتوجات الفلاحية والغذائية التونسية نحو السوق الأوروبية.
هذا القانون المصادق عليه مؤخرا يندرج ضمن ترسانة القوانين التي تعهدت بها حكومة الشاهد تجاه الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي لإرساء الإطار القانوني والتشريعي لاتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق. فبعد قانون الاستثمار والقانون الأساسي للبنك المركزي وقانون المنافسة وقانون البنوك والمؤسسات المالية وقانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، جاء دور القطاع الفلاحي للقضاء عليه من خلال القانون المتعلق بالسلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات الذي نجحت حكومة الشاهد في تمريره بفضل سياسة التعويم والتضليل بالتركيز على الجانب الفني منه المتعلق بالمواصفات وأجهزة الرقابة، والتعتيم على الجانب المتعلق بالمبادلات التجارية والحواجز الفنية التي ستشكل حاجزا أمام نفاذ المنتوجات الغذائية والفلاحية التونسية الى الأسواق الأوروبية.
رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري التقى يوم الجمعة 15 فيفري 2019 برئيس الجمهورية حيث افاد بأن اللقاء تناول الوضع الفلاحي وأهمية تحقيق الأمن الغذائي كجزء من الامن القومي، مشيرا في ذات السياق الى أن التعاطي مع مشروع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “الاليكا” يستوجب تأهيلا مسبقا للقطاع الفلاحي.
هذا التصريح كشف عن حالة القلق والهلع التي دفعت برئيس منظمة الفلاحين الى الإسراع الى مقابلة رئيس الجمهورية عله يجد لديه، بعد تفريط السلطة التشريعية في القطاع الفلاحي لفائدة المستثمر الأجنبي، تفهما يعيد الكفة لصالح الفلاح التونسي.
في ذات السياق، ويوم السبت 16 فيفري 2019 صرح وزير التجارة لإحدى الجرائد التونسية أن تونس لن تنخرط في اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق “الأليكا” الا بعد أن تقوم بتأهيل القطاع الفلاحي على امتداد 10 أو 15 سنة.
تسلسل هذه الأحداث تكشف خطورة التطورات التي عرفها ملف القطاع الفلاحي خلال الأسبوع الماضي، تزامنا مع زيارة رئيس الحكومة الى فرنسا، ضمن مسار تحرير القطاع في اطار اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق لنكتشف حقيقة الضغوط التي يمارسها الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا التي وجدت لدى الشاهد وحكومته وأحزاب الائتلاف كل
“التعاون ” والتواطؤ لضرب الفلاح التونسي وأمننا الغذائي وسيادتنا الوطنية.
التجربة التونسية مع الاتفاقيات الثنائية مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية سابقا والاتحاد الأوروبي حاليا تعود الى ستينات القرن الماضي حيث أبرمت تونس اتفاق المشاركة مع المجموعة الاقتصادية في سنة 1969 ثم اتفاق التعاون في سنة 1976 ثم اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في سنة 1995. لتنطلق بعد الثورة في مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق وذلك في إطار استمرارية الدولة والحفاظ على المصالح الأوروبية في تونس، باعتبار أن القاسم المشترك لهذه الاتفاقيات هو تكريس تبعية الاقتصاد التونسي لأوروبا وتحديدا فرنسا، ثم إيطاليا وألمانيا بدرجة أقل.
ولعل الجديد مع اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق مقارنة مع الاتفاقيات السابقة يكمن في منهجية التعاطي واستراتيجية التنفيذ. فاذا أخذنا اتفاقية الشراكة لسنة 1995 نموذجا مع مراعاة المناخ السياسي آنذاك والذي كان محددا في تعاطي الجانبين التونسي والأوروبي مع الاتفاقية نلاحظ أنه لم يكن من الصعب ابرام هذه الاتفاقية بعيدا عن موقف المنظمات المهنية والنقابية ليغلب الصوت الواحد والرأي الواحد الأحد ليتم التوقيع على الاتفاقية يوم 17 جويلية 1995 وينطلق العمل ببرنامج تأهيل القطاع الصناعي في نفس السنة على خلفية انطلاق العمل بالاتفاقية من قبل الجانب التونسي في نفس السنة أيضا لتدخل حيز التنفيذ يوم 1 مارس 1998 بعد مصادقة برلمانات البلدان الأعضاء عليها.
ومنذ سنة 1995 بدأ العمل بالتفكيك الجمركي على المنتوجات الصناعية الى غاية سنة 2008 تاريخ الانتهاء من التفكيك وتمتع المنتوجات الصناعية الأوروبية بالإعفاء التام من المعاليم الجمركية.
وفي الوقت الذي اتبع فيه النظام السابق منهجية التوقيع ثم التأهيل في غياب صوت معارض أو رفض من قبل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية باعتباره يمثل الصناعيين التونسيين المعنيين باتفاقية الشراكة، يبدو اليوم أن الجانبين التونسي والأوروبي، وفي ظل تعالي الأصوات المنادية بإيقاف المفاوضات وإلغاء الاتفاقية، قد غيرا منهجية التعاطي بعد تعهد رئيس الحكومة ببروكسال بالتوقيع على الاتفاقية في هذه السنة ليتنصل من ذلك تحت غطاء أوروبي وبرعاية سفير بعثة الاتحاد الأوروبي بتونس ويتم الإعلان رسميا على لسان وزير التجارة بأن تونس لن تنخرط في اتفاقية “الأليكا” الا بعد أن تقوم بتأهيل القطاع الفلاحي.
بهذا التصريح اليتيم والهزيل والضبابي، باعتبار أن مصطلح الانخراط لا ينطوي على دلالات التوقيع أو التنفيذ، يتضح أن حكومة الشاهد قد اختارت الحفاظ على نهج التضليل والتعتيم في تعاطيها مع الملفات الكبرى ذات العلاقة بالسيادة الوطنية.
فمنذ تسلمها لمهامها، تعهدت حكومة الشاهد بتنفيذ خارطة طريق واضحة تعمل على الإسراع بالمصادقة على مشاريع القوانين المرتبطة بتنفيذ الإصلاحات الكبرى لصندوق النقد الدولي وتلك الممهدة لتنفيذ اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق بطريقة تقوم على مغالطة الرأي العام وتضليله لتمريرها على المصادقة في مجلس نواب الشعب بأغلبية مريحة بفضل توافق سياسي صمم من اجل ابعاد الشعب التونسي واقصاءه عن قضاياه السيادية.
وفي هذا السياق جاءت المصادقة يوم الثلاثاء 12 فيفري 2019 على مشروع قانون السلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات الذي بدأ الاعداد له منذ سنة 2005 أي ثلاثة سنوات قبل الانتهاء من برنامج التفكيك الجمركي في إطار اتفاقية الشراكة لسنة 1995 والاعلام التونسي غارق في ملفات مفتعلة وأخرى بسيطة مقارنة بالتهديدات التي يمثلها هذا المشروع الذي يعتبر الرصاصة الأخيرة التي ستقضي على الفلاح التونسي.
فقد روجت حكومة الشاهد لهذا المشروع من زاوية السعي الى ملاءمة التشريع التونسي مع التشريع الأوروبي والدولي في مجال ضمان السلامة الصحية وجودة المواد الغذائية وأغذية الحيوانات باعتبار انفتاح السوق التونسية على الأسواق العالمية وتحديدا السوق الأوروبية دون الإشارة الى الإطار العام الذي يتنزل فيه هذا المشروع.
ان الحديث اليوم عن تأهيل القطاع الفلاحي بعد المصادقة على مشروع القانون هو اقرار بدخول اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق حيز التنفيذ ليبقى التوقيع عليها أمرا شكليا وبروتوكوليا، والحديث عن تأهيل القطاع الفلاحي لمدة 10 سنوات هو تجسيم لتوصيات الاتحاد الأوروبي على خلفية أن تنفيذ القانون الجديد يتطلب فترات انتقالية طويلة تتراوح بين 10 و15 سنة.
فقانون السلامة الصحية للمواد الغذائية وأغذية الحيوانات، الذي تعرضنا لتداعياته في مقال سابق، هو الإطار القانوني المتعلق بالمبادلات الجارية للمنتوجات الفلاحية توريدا وتصديرا في إطار اتفاقية التبادل الحر الشامل والمعمق التي تستند الى أحكام اتفاقيات المنظمة العالمية للتجارة. وقد جاء هذا القانون في تناغم مع مقتضيات اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية للمنظمة العالمية للتجارة من جهة، ومقتضيات الإطار التشريعي الأوروبي في هذا المجال. ويتضمن القانون محورين اثنين، محور أول ذو طابع فني ويهتم بمعايير الجودة والسلامة الصحية والمراقبة، فيما يهتم المحور الثاني والأهم بتيسير المبادلات التجارية للمنتوجات الفلاحية والغذائية باعتبار أن هذه المعايير والمواصفات يمكن أن تتحول الى قيود فنية أمام نفاذ المنتوجات الفلاحية التونسية الى السوق الأوروبية وهي المخاطر التي تجنبت الحكومة تناولها وتجاهلتها ليتحرك رئيس المنظمة الفلاحية للقاء رئيس الجمهورية في غياب سند سياسي وحزبي لهذه المنظمة حيث يبدو أنها غير قادرة على تبني نهج الاتحاد العام التونسي للشغل لإبلاغ صوت منخرطيه والدفاع عن حقوقهم.
لقد كشف رد الحكومة على لسان وزير التجارة مرة أخرى أن الشاهد وحكومته وبفضل سلطة تشريعية أسيرة للائتلاف الحاكم، لن يتوقف عند موقف منظمة فلاحية لم ولن تعلن عن ولاءها له كما كان الشأن مع أصحاب الفضاءات التجارية ولوبيات التوريد.
لقد اصطف الشاهد وحكومته والسلطة التشريعية والسلطة النقدية وراء لوبيات التوريد ولوبيات البنوك بتوظيف السياسات الجبائية والمالية والتجارية والنقدية لفائدتها، وما الترفيع الأخير لنسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي الا دليل اخر على ذلك في الوقت الذي تعطلت فيه كل محركات النمو من تصدير واستثمار واستهلاك داخلي، كما أن المصادقة على مشروع قانون السلامة الصحية هي الرصاصة الأخيرة التي أطلقتها الحكومة على أمننا الغذائي وسيادتنا الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.