اجتماع مجلس الأمن القومي: الباجي يدخل مرحلة المواجهة العلنية مع الشاهد والنهضة

ما بقالي كان الكلام” هذا ما أسرّ به رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للوفد الاعلامي المرافق له خلال زيارته لجنيف منذ 15 يوما تقريبا ، معلنا بذلك عن رفعه واجب التحفظ وتقديم مواقفه صراحة ازاء جملة من الملفات حتى لو أحرج بها الحكومة .. وخاصة رئيسها في ظل تواصل التوتر بينه وبين الشاهد الذي بان بالكاشف في اجتماع مجلس الامن القومي المنعقد يوم امس الاثنين 11 مارس 2019.

يبدو ان الجزء المنشور من كلمة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي يوم أمس في افتتاح اجتماع مجلس الامن القومي أثارت غضب رئاسة الحكومة التي منعت ، حسب ما تناقلت أطراف قريبة منها ، من تصوير افتتاح الاجتماع والمشاركة في اعداد اللقطات التي ستقدم للعموم ، أما المؤكد فهو تخوف سبق الاجتماع صلب القصبة من توظيف القصر في خضم التوتر المتواصل بينها وبين الرئاسة كارثة الرابطة .
مخاوف القصبة كان لها ما يؤثثها من ذلك البيان الصادر عن حزب الرئيس ونجله حافظ الداعي لاستقالة فورية للحكومة على خلفية مقتل 11 رضيعا ( قبل ان تعلن أمس وزيرة الصحة بالنيابة عن ارتفاع العدد إلى12) وتدوينات نواب عن نداء تونس تضمنت اتهامات مباشرة للحكومة وتشكيكا في الارقام الرسمية الصادرة عنها بخصوص كارثة الرابطة ، وبتوجيه الدعوة لوزيرة الصحة لحضور اجتماع مجلس الامن القومي بات التوظيف أمرا شبه مؤكدا بالنسبة لجماعة الشاهد.
لكن العكس هو الذي حصل تقريبا ، فالتركيز الكلي لم يكن على الكارثة مثلما خُيّل لجماعة القصبة ، بل على ثلاثة ملفات هي التنظيم السري لحركة النهضة ومحتشد الرقاب والتمديد في حالة الطوارئ ، وعكس المرات السابقة لم يكتف رئيس الجمهورية بوقع ادراجها في جدول أعمال مجلس الامن القومي ، مر يوم امس الى الحسم بالتشديد على ضرورة تقديم موقف من “التنظيم السري” واعلانه رفض التمديد من جديد في حالة الطوارئ ورفضه أيضا مآلات ملف “محتشد الرقاب” متهما الحكومة ضمنيا بالتستر عليه .
المواجهة
خلال الاسبوع الماضي ، فشلت مشاورات غير معلنة بين النهضة ورئيس الجمهورية قادها مقربون منهما في التوصل الى اتفاق ينهي الفتور القائم في العلاقات بين الشيخين ، فشل مرده طبعا الاختلاف العميق بينهما ( راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي) بخصوص مصير رئيس الحكومة يوسف الشاهد ، ويبدو ان هذا الفشل حرر قائد السبسي نهائيا وجعله يدخل في مواجهة علانية مع الشاهد وحليفته النهضة.
ذلك ان الدعوة لاتخاذ موقف من “الجهاز السري ” و”محتشد الرقاب” لم تكن إلا إحراجا سياسيا للشاهد وتهديدا مبطنا لحليفته النهضة ، الشاهد الباقي في الحكم بفضل دعم الحركة المتهمة من جهتها باستغلال هذا الدعم للحصول على حماية من الشاهد تحول دون فتح ملفات ثقيلة كملف الجهاز السري أو مدرسة الرقاب والملفان يحيلان الى تهم خطيرة جلها ارهابية.
صفقة الدعم مقابل قبر الملفات ، التي يستغلها رئيس الجمهورية اليوم لمواجهة خصميه الذين عزلاه وجعلاها رئيسا في المعارضة ، سبق ان اتهم بها الباجي من قبل خصومه ، وهذا الامر أكده راشد الغنوشي ضمنيا في مقال كتبه بمناسبة مرور 5 سنوات على لقاء باريس ، اشار فيه الى ان اللقاء المذكور أنقذ النهضة من “محرقة” .
لا يعرف حتى الآن الى أين قد يصل الباجي قائد السبسي في هذه المواجهة الجديدة وغير المسبوقة وكيف سيرد عليها الشاهد وحليفته النهضة ، وكيف سيدير مجلس الامن القومي ملفي الجهاز السري ومحتشد الرقاب ، لكن الثابت ان معارك الكواليس والحرب الباردة انتهت وان الباجي سواء ترشح أو لم يترشح فانه سيكون محددا في اللعبة الانتخابية وفي احراجه الشاهد بالملفين المذكورين واللذين ربطهما بالأمن القومي اضعاف له وهو الذي يتهرب هو وحزبه وكتلة الائتلاف الوطني مختبئين وراء القضاء ، من تقديم اي موقف بخصوص ملف الجهاز السري.
من جهة اخرى ، كشف اجتماع مجلس الامن القومي تعفن العلاقات بين القصبة وقرطاج ، وخروجها من مرحلة التوتر الى مرحلة الانعدام التام للثقة ، فبعد الاجتماع تداول جماعة الشاهد اتهامات للقصر باستغلال المونتاج لضرب صورة الشاهد ، وتناقلت أيضا تأكيدات على ان ما تم تقديمه لا يعكس حقيقة ما حدث في الاجتماع.
بخلاف ذلك ، تناقلت اطراف قريبة من القصبة ان ممثليها كشفوا ورود تهديدات جديدة باغتيال رئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر الذي قد يكون تم تعزيز الحماية الامنية الممنوحة له من قبل الامن الرئاسي ، وتكثيفها من قبل وزارة الداخلية على مستوى البرلمان ومقر اقامته.
ورقة حالة الطوارئ
وجه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي بحر الاسبوع المنقضي مراسلتين اثنتين الاولى لرئيس الحكومة يوسف الشاهد والثانية لرئيس مجلس نواب الشعب محمد الناصر أعلمهما فيهما برفضه أي تمديد جديد في حالة الطوارئ استنادا إلى الامر عدد 50 لسنة 1978 ، بما يعني ان الرئيس قائد السبسي لن يمدد مرة اخرى في حالة الطوارئ التي تنتهي اجالها بعد اخر تمديد يوم 4 أفريل المقبل الا في صورة مصادقة البرلمان على مشروع القانون المتعلق بحالة الطوارئ .
ويوم امس كشف الرئيس قائد السبسي عن قراره بالرفض البات لأي تمديد جديد واشار ضمنيا الى انه اضطر للموافقة على التمديد في مناسبتين سابقتين وانه لن بعيد الكرّة بانتهاء الآجال المحددة بشهر والمعلن عنها في بيان صادر عن رئاسة الجمهورية يوم 5 مارس الجاري واستند في رفضه هذا الى ان الامر المنظم لحالة الطوارئ غير دستوري داعيا الشاهد الى تحمل مسؤولية “خرق الدستور”.
وكشف “الباجي” لأول مرة عن موقفه الرافض للتمديد في ندوة صحفية عقدت بتاريخ 8 نوفمبر 2018 ، قال فيه انه ضد التمديد ، ولم ينف وقتها رفضه أيضا لحرب على الفساد تتم الاستعانة فيها باجراءات استثنائية تمنحها حالة الطوارئ ، وأساسا اجراء الإحالة على الاقامة الجبرية الذي تم تطبيقه على عدد من رجال الاعمال ابرزهم شفيق جراية وياسين الشنوفي .
حسمُ الباجي قائد السبسي بالرفض في التمديد يعني نهاية حالة الطوارئ بتاريخ 4 أفريل القادم على ضوء استحالة مصادقة مجلس نواب الشعب على مشروع القانون الاساسي المنظم لحالة الطوارئ في غضون 3 أسابيع ، استحالة أكدها عضو لجنة الحريات بالبرلمان توفيق الجويني لـ”الشارع المغاربي” مشيرا في سياق متصل الى ان اللجنة غير معنية بـ”استعجال النظر” الذي طالبت به الرئاسة وان أعضاءها اتفقوا على تدارس مشروع القانون بعيدا عن “أية ضغوطات كانت” بما فيها ضغط الوقت.
الى ذلك رجح المتحدث إمكانية عدم مصادقة البرلمان على مشروع القانون المذكور خلال العهدة البرلمانية الحالية مذكرا بأنه سبق ان تم استعمال حالة الطوارئ في “حرب فساد انتقائية” وانه ” لن يسمح بتمرير مشروع قانون بشكله الحالي باعتباره مشابها لامر 1978 ويمنح صلاحيات واسعة لوزير الداخلية والولاة ” وانه ” قد تكون فيه أداة من أدوات الدكترة ان لم يتم إقرار تعديلات فيه ” .
الاهم من المصادقة على مشروع القانون الجديد من عدمه بالنسبة للرئاسة ، هو قطعا سحب ورقة قانون الطوارئ من رئيس الحكومة ، ورقة يتداول في الكواليس انها مكنت جماعة الشاهد من توسيع دائرة مسانديها من “رجال أعمال” ، وعاشت الساحة خلال الاشهر الماضية على وقع حديث متواصل بخصوص ايقافات قادمة ضمن جولة جديدة تقودها الحكومة في اطار ” حربها على الفساد” ، وواظب النائب عن كتلة الائتلاف الوطني الصحبي بن فرج على التسويق لذلك عبر صفحته بموقع فايسبوك.
علاوة على سحب هذه الورقة والتخفيف من وطأة الضغط و” الترهيب” الذي يُتداول انه كان ُمسلطا على عدة شخصيات بفعل قانون الطوارئ ، ستكون لقرار رفع حالة الطوارئ تبعات حسب ما ذهب الى ذلك المحامي والقاضي الاداري المتقاعد احمد صواب في تصريحه لـ “الشارع المغاربي” اذ بين ان من تبعاته رفع كل القرارات المنبثقة عنها بما فيها الاحالات على الاقامة الجبرية وبقية الاجراءات القضائية والمالية ( مصادرة املاك الموقوفين) طارحا امكانية ان يصبح للمشمولين بالقرارات الصادرة استنادا لحالة الطوارئ ” حقوق”.
وكان وزير الداخلية المقال لطفي ابراهم قد أكد ان عددا من المحالين على الإقامة الجبرية في إطار الحرب على الفساد نفذ عليهم هذا الإجراء دون ملفات أو توجيه تهم لهم وانه نقل لرئيس الحكومة تذمرات ولاة ومسؤولين بوزارة الداخلية بخصوص هذه الاحالات لافتا الى أن الوزارة واجهت ما يقارب 300 قضية بسبب هذه الاحالات بمختلف المؤسسات العمومية.
وتتضارب المعطيات بخصوص عدد المحالين على الاقامة الجبرية ، تقرير سابق لمنظمة العفو الدولية لسنة 2018 أكد وجود 500 شخص في الاقامة الجبرية دون ان يحدد العدد الذي طبق عليه هذا الإجراء في اطار الحرب على الفساد ، فيما كشف مصدر من الحكومة انه تمت إحالة كل المعنيين بهذا الإجراء على القضاء وان جلهم لم يتجاوز الـ20 يوما في الاقامة الجبرية مقابل تأكيد المحامي منير بن صالحة لـ” الشارع المغاربي” ان اثنين من منوبيه شملاهما الاجراء وانهما بقيا بالاقامة الجبرية لمدة تراوحت بين 4 و7 اشهر .
في المحصلة لم يخرج اجتماع مجلس الأمن القومي عن المناخ السياسي العام الذي طغت عليها “السياسة السياسوية” ومحاولة الجميع ربح نقاط على حساب الاخر ، وتُشير كواليسه الى انعدام الثقة بالكامل بين رأسي السلطة التنفيذية اللذين يفكران في الاخراج الاعلامي للاجتماع أكثر من التفكير في مضمونه وما قد يقدم من حلول في ظل المخاطر المحدقة بالبلاد على أكثر من صعيد.

صدر بالعدد الاخير من اسبوعية “الشارع المغاربي”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: